11 août 2011

محمد بوكرين.. الأشجار تموت واقفة

 

IMGP2770

رجل أحب دائما أن أتذكره.. التقيته مرة واحدة في حياتي كلها وبعدها رحل إلى لا أدري أين.. من البورتريهات القليلة التي احتفظت بها

الزمن: منذ خمسة أشهر من الآن. المكان: معرض للصور بمراكش. إنه يقف الآن وسط جلبابه المغربي البني. قامته هيفاء كما كانت منذ زمن. يمسك بيده اليسرى محفظة بلاستيكية كتبت عليها عبارة "ما مفاكينش"، هذه الأخيرة التي اختارها أعضاء "المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف" شعارا لمؤتمرهم الأخير. ابتسامة غريبة تعلو شفتيه وهو يقف أمام صورة تملأها الشموع ووجوه شهداء تلك السبعينيات الغابرة.. هنا فقط يقرر محمد بوكرين الكلام: "أنا أتذكرهم الآن.. رفيقة رفقة ورفيقا رفيقا"، ثم يقترب أكثر من الصورة ويمعن النظر إلى وجوه الرفاق، قبل أن يستطرد بسرعة وكأن الصور تدفعه إلى العصيان: "هذا الملف (ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان) لن يطوى ما لم يرد الاعتبار لكل هؤلاء، وما لم تتحقق الديمقراطية.. المغرب ليس بلدا ديمقراطيا".

ربما تكون هذه آخر التصريحات الصحافية التي أدلى بها محمد بوكرين قبل أن يخطفه الموت يوم الإثنين الماضي.. كان ذلك عندما التقته "أخبار اليوم" في مراكش في 12 دجنبر 2009، أثناء مشاركته في المؤتمر الوطني الثالث للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف.. لم يكن متعبا على الإطلاق بل على العكس كان يبدو نشيطا جدا وواقفا كشجرة، وكلما طلب منه شاب أو مناضل التقاط صورة إلى جانبه كان يبتسم في وجه "الفلاش"، وطيلة أيام المؤتمر لم يكن يغيب عن أي اجتماع أو ندوة أو جلسة تصويت، كان يختار له مكانا في مؤخرة القاعة ويجلس ليتابع أطوار المؤتمر، وحتى عندما حاول مناضلوا حزب الطليعة أن يجلسوه على منصة المنتدى، واقترحوا عليه أن يترشح للرئاسة في وجه الاتحادي مصطفى المانوزي ومرشح النهج الديموقراطي، عبد الباقي اليوسفي، رد قائلا: "لقد كبرت الآن على هذه الأمور.. لا أستطيع تحمل هذه المسؤولية".

"معتقل الملوك الثلاثة"، هكذا صار المقاوم والمناضل اليساري يلقب من طرف الصحافة في السنوات الأخيرة، بعدما اعتقله نظام الملك الراحل محمد الخامس من 17 مارس 1960 إلى 30 دجنبر 1966، على خلفية مشاركته في انتفاضة الستينات بقيادة القائد البشير بن التهامي لحمر ليحكم عليه، بعد ست سنوات من الاعتقال، بالبراءة لفائدة الشك، ثم سيعتقله نظام الملك الراحل أيضا، الحسن الثاني، سنة 1973 عقب أحداث مولاي بوعزة بتهمة التخريب وتقديم مأوى للمتمردين وتزويدهم بالخرائط العسكرية وتسهيل التواصل بينهم، حيث اعتقل صحبة 34 مناضلا وعلى رأسهم صديقيَّ محمد بنراضي ومنير عمر، وصهره العمري مصطفى ليتم تعذيبه في ضيعة مازيلا قرب قصبة تادلة من طرف اللجنة الثلاثية المكونة من الجيش والدرك والشرطة بجميع تفرعات الاستعلامات، لينقل بعدها إلى السجن السري في الأوراش الصناعية للطيران الذي سماه المعتقلون السبعينيون "الكوربيس"، وليحال على محكمة سطات في يوليوز 1976، كما سيعتقل بوكرين مرة أخرى سنة 1983 وسيحاكم بثلاث سنوات عقب أحداث انشقاق الاتحاد الاشتراكي، ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد وسيحمل بوكرين لقب معتقل الملوك الثلاثة عندما سيودعه نظام الملك محمد السادس السجن سنة 2007 بتهمة "المس بالمقدسات" عقب مشاركة رمزية له في مظاهرة بمناسبة احتفالات فاتح ماي، عيد العمال العالمي، في مدينة بني ملال.

يقولون إن الموتى يشاهدون شريطا بصور مسارات حيواتهم وهم يحتضرون.. لكن ما الذي قد يكون شاهده بوكرين في حضرة الموت؟ هل شاهد صور أيام الطفولة  وهو يلعب كرة القدم بقرية تاكزيرت بإقليم بني ملال التي ولد بها عام 1935؟ هل تذكر صور رفاقه وهم يسقطون الواحد تلو الآخر في سجون المخزن في تلك السبعينيات الغابرة؟ هل عادت إلى ذهنه أصوات المهدي بن بركة وعمر بن جلون وكرينة وسعيدة وزروال؟ هل فكر في لحظات النضال الأولى التي اكتشف فيها العمل المنظم سنة 1953 مع جماعة اليد السوداء التي كان يقودها الشهيد الزرقطوني؟ هل تذكر ألم الجلطة الدماغية التي تعرض إليها سنة 2000 بعد كل سنوات السجن؟ لا أحد يدري فالموت والسكتة القلبية لم يتركا له وقتا طويلا ليحكي، لمن تحلقوا حوله في الاحتضار، مشاهد ما قبل الموت.

"لم أتقدم بطلب أصلا من أجل جبر الأضرار إلى ما يسمونه هيئة الإنصاف والمصالحة، لأنه ليست هناك مصالحة حقيقية. فالدولة المغربية مازالت ترفض الاعتذار الرسمي والعلني للشعب المغربي رغم مرور سنة وتسعة أشهر على تقرير الهيئة المذكورة" بهذا الكلام علل بوكرين رفضه تسلم أي تعويض مالي على سنوات اعتقاله ونضاله ومبادئه من طرف هيئة ادريس بن زكري.. وهي نفس القناعة التي ظلت راسخة لديه حتى في أحلك فترات المعيش اليوم والمسؤولية الأسرية، وهو ما عبر عنه بوكرين في واحد من حواراته القليلة المطولة مع الصحافي مصطفى حيران بالقول: "أنا فعلا أعيش وضعا صعبا كما أني في أمس الحاجة إلى "الفلوس"، غير أن الجانب الأخلاقي يمنعني عن ذلك، أولا أعتبر الوصول إلى الحقيقة أسبق من التعويض. ويجب أن يتم رد الاعتبار لشهدائنا بإطلاق أسمائهم على المرافق العمومية من مدارس ومستشفيات وشوارع وساحات، ولنا كضحايا، قبل أن نفكر في جبر الأضرار المادية".

عرف بوكرين بأنه لا يترك أية مظاهرة مطالبة بالحقوق والعدالة والديموقراطية إلا ويكون في صفوفها الأمامية، ويومين قبل وفاته شارك "معتقل الملوك الثلاثة" في القافلة الطبية التي نظمها فرع المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف ببني ملال، إلى منطقة "تكلست"، "لقد كان نشيطا في القافلة لكنه بالتأكيد تعب قليلا لأنه ظل واقفا طوال الوقت"، حسب ما صرح به لـ"أخبار اليوم"، لبيب بوكرين، ابن الراحل، والذي استطرد: "لقد كان أبا وقائدا روحيا ومثالا أعلى ونحن اليوم جميعا نسير على دربه"، وهنا يتذكر لبيب إحدى مقولات بوكرين التي أخذ معانيها من الكاتب الفرنسي فيكتور "هوغو" والتي كان يرددها باستمرار قبل أن يخطفه الموت إلى عوالم الغيب: "إذا لم يبق في هذا العالم سوى 100 رجل فأنا منهم وإذا كانوا ثمانية فسأكون أنا الثامن وإذا بقي رجل واحد فسأكون أنا هو هذا الرجل".

Posté par isicien à 04:20 - Commentaires [0] - Permalien [#]


Commentaires sur محمد بوكرين.. الأشجار تموت واقفة رجل أحب دائما أن

Nouveau commentaire