19 août 2011

 

 

ds_nzarkabaneماذا لو بُعث الشاعر السوري الكبير، نزار قباني، اليوم من قبره؟ ماذا كان سيقول في وجه جرائم بشار الأسد وحزبه وجيشه؟ كيف كان سيتحدث إلى الشهداء وإلى "الشبيحة" وإلى المدافع الحديدية؟ وحتى إن لم يكن الموت كريما إلى هذه الدرجة ليعيد لنا نزار في هذه الأيام الصعبة فَلِمَا لا نجعله يتحدث؟ هنا يجب توضيح بعض الأشياء، النص التالي مقتطف من أكثر من عشر قصائد كتبها نزار قباني في فترات متفرقة من حياته، بعضها موضوع كما كتبه نزار وبعضها تحول فيه الجمع المخاطب إلى المفرد المخاطب، لم يتطلب الأمر جهدا خارقا مادام نزار كتب عن "السيرة الذاتية للسياف العربي" منذ سنوات. هكذا فضح نزار قباني بشار الأسد. 

نزار قباني لبشار الأسد: ليس هناكَ سلطةٌ يمكنها أن تمنعَ الخيولَ من صهيلها

لا سلام عليك أيها السياف. أنت المنفي في داخل قصرك لا ترى شمسا، ولا نجما، ولا زهرة دفلى.. منذ أن جئت إلى السلطة طفلا ورجال السيرك يلتفون حولك: واحد ينفخ ناياً، واحد يضرب طبلا، واحد يمسح جوخاً، واحد يمسح نعلا. منذ أن جئت إلى السلطة طفلا، لم يقل لك مستشار القصر (كلا)، لم يقل لك وزراؤك أبدا لفظة (كلا)، لم يقل لك سفراؤك أبدا في الوجه (كلا)، لم تقل إحدى نسائك في سرير الحب (كلا). علموك أن ترى نفسك إلهً، وترى الشعب من الشرفة رملا. لقد تحولت لهولاكوجديد: تقتلنا لكي تتسلى. لا سلام عليك إذن. أما بعد:

 أكتب لصغار (حماة) أولا. أكتب لهم على اختلاف اللون والأعمار، والعيون. أكتب للذين سوف يولدون: جاءوا إليكم كفوج جائع من الذئاب، فأتلفوا الثمار، وكسروا الغصون، وأشعلوا النيران في بيادر النجوم، والخمسة الأطفال في وجوم. واشتعلت في والدي كرامة التراب. فصاح فيهم: اذهبوا إلى الجحيم.. لن تسلبوا أرضي يا سلالة الكلاب! ومات والدي الرحيم.. بطلقة سددها كلب من الكلاب عليه.. مات والدي العظيم.. في الموطن العظيم، وكفه مشدودة شداً إلى التراب. فليذكر الصغار، من ولدوا منهم ومن سيولدون، ما قيمة التراب. لأن في انتظارهم.. معركة التراب.

 

تزوجتك أيتها الحرية

ما بِوُسْع السيَّاف قَطْعُ لسانيَ الآن، فالمَدَى أزْرَقٌ.. وعندي أظَافِرْ. إِنِّي رَجُلٌ لم يَتَخَرَّجُ من بَارَات السُلْطَة، في أَحَدِ الأَيَّامْ. أوأشْغلتُ وظيفةَ قِرْدٍ، بينَ قُرُودِ وزاراتِ الإِعلامْ!! إِنِّي رجلٌ لا أَتَوارَى خَلْفَ حُرُوفي، أوأتخبَّأُ تحتَ عَبَاءةِ أيّ إمَامْ، ما بوسعك قطع لساني أيها السياف الآن..سامحُونا ـ أيُّها السادةُ ـ إن نحنُ جُنِنَّا: ألفُ دجَّالٍ على أكتافنا، اسْتَبَاحُوا دَمَنا منذ وُلِدْنَا، ألفُ بوليسٍ على أوراقنا.. يُطلقُونَ النارَ.. لكنْ ما سَقَطْنَا.. حاولوا أن يقطعوا أرجُلَنا كي يُعيقوا الزَحْفَ، لكنَّا وَقَفْنَا.

أيها السياف.. يا سلطةً تَخشَى على سُلْطتِها من عبقِ الوردِ.. ومن رائحةِ الدُرَّاقْ، يا دولةً تطلبُ من قوّاتِها المُسَلَّحَةْ، أن تلقيَ القبضَ على الأشواقْ. أن تُقْفِلُوا أبوابَكُمْ، وتُطلقوا كلابكمْ خوفاً على نسائكمْ من ملكِ العشاقْ. ليس هناكَ سلطةٌ يمكنها أن تمنعَ الخيولَ من صهيلها، وتمنع العصفورَ أن يكتشفَ الآفاقْ. ستقْتُلُونَ كاتباً لكنكمْ لنْ تقتلوا الكتابهْ.

ما بِوُسْع السيَّاف قَطْعُ لساني الآن، فالمَدَى أزْرَقٌ.. وعندي أَظَافِرْ، رغم أنه مازال يدعي بأنه المُمَثِّلُ الشخصيُّ، والناطقِ باسْم اللهْ.. فهلْ من المسموحِ، أنْ أسأله تعالى: هل أنت قد أعطيتهمْ وكالةً مختومةً مُوقَّعَهْ، كي يجلسوا على رقاب شعبِنَا إلى الأبدْ؟ هل أنت قد أمرتهمْ أن يخربوا هذا البلدْ ويسحقونا كالصراصيرِ بأمر اللهْ، ويضربونا بالبساطيرِ، بأمر الله؟ فإنْ سَألتَ حاكماً منهمْ: مَنِ الذي ولاكَ في الدنيا على أمورنا؟ قال لنا: يا جَهَلَهْ أما علمتمُ أنني أصبحتُ صِهْرَ اللهْ؟؟

لماذا قررت أن أكتب لك أيها السياف؟ أكْتُبُ.. كيْ أُفَجِّرَ الأشياءَ، والكتابةُ انفجارْ. أكْتُبُ كي ينتصرَ الضوءُ على العُتْمَةِ، والقصيدةُ انتصارْ. أكْتُبُ.. كي تَقرَأني سنابلُ القمحِ، وكي تقرَأنِي الأشجارْ، كي تفْهَمَني الوردةُ، والنجمةُ، والعصفورُ، والقِطَّةُ، والأسماكُ، والأصْدَافُ، والمَحَارْ.. أكْتُبُ حتى أُنقِذَ العالمَ من أضْرَاسِ هُولاكو. ومن حُكْم الميليشْيَاتِ، ومن جُنُون قائد العصابَهْ، أكتُبُ.. حتى أُنقذَ النساءَ من أقبية الطُغَاةِ، من مدائن الأمواتِ، من تعدّد الزوجاتِ، من تَشَابُه الأيام، والصقيعِ، والرتابَهْ. أكتُبُ.. حتى أُنقذَ الكَلِمَةَ من محاكم التفتيشِ.. من شَمْشَمَة الكلابِ، من مشانقِ الرقابَهْ. أكتُبُ إليك اليوم.. كي أنقذَ من أُحبُّها من مُدُنِ اللاشِعْرِ، واللاحُبِّ، والإحباطِ، والكآبَهْ. أكتبُ كي أجعلها رَسُولةً، أكتبُ كي أجعلَها أيْقُونةً، أكتبُ كي أجعلَها سحابَهْ.

 

نعلن العصيان

يا أصدقائي: ما هوالشعر إذا لم يعلن العصيان؟ وما هوالشعر إذا لم يسقط الطغاة والطغيان؟ وما هوالشعر إذا لم يُحدِث الزلزال في الزمان والمكان؟ وما هوالشعر إذا لم يخلع التاج الذي يلبسه كسرى "أنوشروان"؟ من أجل هذا أعلن العصيان، باسم الملايين التي تجهل حتى الآن ما هوالنهار؟ وما هوالفارق بين الغصن والعصفور؟ وما هوالفارق بين الورد والمنثور؟ وما هوالفارق بين النهد والرمانة؟ وما هوالفارق بين البحر والزنزانة؟ وما هوالفارق بين القمر الأخضر والقرنفلة؟ وبين حد كلمة شجاعة، وبين خد المقصلة...

من أجل هذا أعلن العصيان، باسم الملايين التي تساق نحوالذبح كالقطعان، باسم الذين انتزعت أجفانهم واقتلعت أسنانهم، وذُوِّبوا في حامض الكبريت كالديدان، باسم الذين ما لهم صوت ولا رأي ولا لسان. سأعلن العصيان. يا أصدقائي: أنتم الشعر الحقيقي، ولا يهم إن يضحك أويعبس، أوإن يغضب السلطان. أنتم سلاطيني.. ومنكم أستمد المجد، والقوة، والسلطان ...

أعلن العصيان على (شبيحتك)، على دولتك: دولة تسرق عطر الياسمين. يا لها من غزوةٍ مضحكةٍ: سرقوا حبري، وأوراقي، ولم .. يسرقوا النار التي تحت جبيني، إنني أسكن في ذاكرة الشعب، فما هَمّ.. إذا هم سرقوني؟

دارنا الدمشقية

هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر (يا سياف)؟ بيتنا كان تلك القارورة. إنني لا أحاول رشوتك بتشبيه بليغ، ولكن ثق أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر.. وإنما أظلم دارنا. والذين سكنوا دمشق، وتغلغلوا في حاراتها وزواريبها الضيقة، يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون...

بوابة صغيرة من الخشب تنفتح. ويبدأ الإسراء على الأخضر، والأحمر، والليلكي، وتبدء سمفونية الضوء والظل والرخام. شجرة النارنج تحتضن ثمارها، والدالية حامل، والياسمينة ولدت ألف قمر أبيض وعلقتهم على قضبان النوافذ.. وأسراب السنونو لا تصطاف إلا عندنا. أسود الرخام حول البركة الوسطى تملأ فمها بالماء.. وتنفخه.. وتستمر اللعبة المائية ليلاً ونهاراً..لا النوافير تتعب.. ولا ماء دمشق ينتهي..

الورد البلدي سجاد أحمر ممدود تحت أقدامك.. والليلكة تمشط شعرها البنفسجي، والشمشير، والخبيزة، والشاب الظريف، والمنثور، والريحان، والأضاليا (أنت بالتأكيد لا تعرف ذلك أيها السياف).. وألوف النباتات الدمشقية التي أتذكر ألوانها ولا أتذكر أسماءها.. لا تزال تتسلق على أصابعي كلما أردت أن أكتب.. القطط الشامية النظيفة الممتلئة صحةً ونضارة تصعد إلى مملكة الشمس لتمارس غزلها ورومانتيكيتها بحرية مطلقة، وحين تعود بعد هجر الحبيب ومعها قطيع من صغارها ستجد من يستقبلها ويطعمها ويكفكف دموعها.. أنت بالتأكيد لا تعرف ذلك يا سياف مادمت تقتلنا لكي تتسلى.

منذ ثلاثين سنهْ.. أحلم بالتغيير، وأكتب القصيدة الثورة.. والقصيدة الأزمة.. والقصيدة الحرير. منذ ثلاثين سنه.. وأكتب التاريخ بالشكل الذي أشاء.. وأجعل النقاط، والحروف، والأسماء.. والأفعال، تحت سلطة النساء. وأدعي بأنني الأول في فن الهوى.. وأنني الأخير. انتظروا زيارتي (يا أبناء الشام الأحرار).. فسوف آتيكمْ بدون موعدٍ، كأنني المهديُّ، أو كأنني البراقْ. انتظروا زيارتي. ولستُ محتاجاً إلى مَُعَرِّفٍ فالناس في بيوتهم يعلِّقُونَ صورتي.. لا صُورةَ السلطانْ، والناسُ، لو مَرَرْتُ في أحلامهمْ ..ظَنُّوا بأنِّي قَمَرُ الزَمانْ...

انتظروني.. أيها الصيارِفَهْ أهراماً من النفاقْ.. يا من جعلتم شِعْرنا، ونثرنا، دُكَّانةَ ارتزاقْ. انتظروا زيارتي فالشعر يأتي دائماً من عرق الشعبِ، ومن أرغِفَةِ الخُبْزِ، ومن أقبيةِ القمعِ، ومن زلازلِ الأعماقْ.. مهما رفعتمْ عالياً أسْواركمْ لن تمنعوا الشمسَ من الإشْراقْ..

 

 

Posté par isicien à 12:58 - Commentaires [0] - Permalien [#]


Commentaires sur ماذا لو بُعث الشاعر السوري الكبير، نزار قباني،

Nouveau commentaire